
منذ الصغر وانا إشاهد المسلسلات الرومانسية, وبالأخص المكسيكية, ولكني تركتها فيما بعد, لأني أعتبرتها خيالية إلى أبعد حد. وبدأت إشاهد المسلسلات العربية المصرية. رغم إن أغلبها هي دينية, تاريخية, إو إجتماعية عن الوالدين والأبناء وزوجات الأبناء والزواج العرفي وتعدد الزوجات, وسياسية كذلك عن جمال عبد الناصر وسعد الدالي وملوك مصر وغيرهم. وغالباً ما اجد بينهن المسلسلات عن الحب وسيرة الحب. ولهذا السبب لاحظنا في الأونة الأخيرة أن هناك اقبال كبير على المسلسلات التركية, كنور وسنوات الضياع.
مع إن المسلسلين يوجد فيهن اغراء واضح, وهو محرم. ويوجد فيهن تعاليم ليست تعاليم اسلامية, إلا أن المسلسلين التركيين “نور” و “سنوات الضياع” دخلت قلوب المراهقات والمراهقين, وبل جعلت من الشياب “شبان” ومن العجيزات “صبايا”, وتفوقن على افضل المسلسلات العربية منها باب الحارة السوري والملك فاروق المصري وغيره. وبل حينما حرم مفتي مصر مشاهدة هذه المسلسلين, خرجت مظاهرات من الشبان في مصر, يلبسون ثياب عليها صور مهند التركي, وهم يردون على فتواه, وأصبح لا يهمهم الأزهر ولا غيره. ولو كان بأستطاعتهم لطالبوا بمحاكمة عسكرية على هذا المفتي!! وفي السعودية كثرة الطلاق بسبب المسلسلات التركية ادى الى خروج فتوى جديدة من قبل مفتي السعودية حرم مشاهدة المسلسلات التركية والقنوات التي تبثها, مع ان اغلب العلماء السعوديين نشاهدهم عبر القناة التي تبث فيها المسلسلات التركية!! وفي العراق لكثرة مشاهدة النساء مسلسل نور التركي, خرج عراقيين متعصبين يدعسون على صور مهند بأقدامهم, ويسبونه ويشتمونه ويحتجون عليه, مما رأينا فتوى جديدة اخرى من المرجعية الدينية العليا في العراق تحرم فيها مشاهدة المسلسلات التركية بأكملها. وغير هذا حاولت وسائل الأعلام, بكل ما تملك من وسائل غبية ان تقضي على مشاهدة هذه المسلسلين. ولا أعرف ما هو السبب؟ هل حرام؟
ولكن هل فلم (حين الميسرة) المصري حلال؟ وهل الأفلام الاغرائية التي يقدمها عادل الأمام حلال, كفلم تجربة دنماركية والسفارة في العمارة؟ وهل فلم الشذوذ والأباحية (عمارة يعقوبيان) حلال؟ فلماذا التركيز إذن على هذه المسلسلين التركيين من دون المسلسلات العربية الأخرى؟ المسئلة إذن لا تتعلق بحلال وحرام بالنسبة للأعلام السوري والمصري والخليجي, بل لأن المسلسلين وصلا للقمة, والنجاح مرفوض عند العرب, ويجب ان نكون دوماً متخلفين, ونظل جنب الحيط!!
نعم, وقد أدت المسلسل التركي نور إلى دلوع مشاكل بين الزوج والزوجة, وحوادث طلاق وغيرها, ولكن هذا ليس سببه المسلسل بحد ذاته, لأنه مجرد تمثيل. ولكن هذا سببهُ تفاهة بعض العقول التي نمكلها نحن العرب, فتفاهة العقول جعلت من (الفلا) التي تم بها تمثيل مسلسل (نور) إلى قلعة تاريخية اسلامية, وأصبح كل عربي يفكر بالسفر إلى اسطنبول يأخذ حبيبته برفقته لأجل ان يريها قلعة نور المحصنة!! وبل وصل الحد إلى ان يدفع كويتي ثري مبالغ هائلة لأجل ان يكون زفاف عرسه في (قصر نور). وكأن زفافة سوف يكون في الجنائن المعلقة!!
إذن لماذا هذا الأقبال الكبير من حيث المشاهدة والأستمتاع على هذا المسلسل او ذاك المسلسل إلا وهو مسلسل سنوات الضياع؟
لا بد علينا من أن نفرق بين المسلسلات العربية وبين هذين المسلسلين التي شاهدناها؟ وبل حتى الذي لم يشاهدها فهو سمع قصة هذه المسلسلات وحزن على ما جرى لمهند, ونور, ويحيى, ولميس. ابطال المسلسلين التركيين!!
بالطبع ان المسلسلين التركيين مليئة بالتناقض والمبالغة, وجعلوا من رجالهم ملائكة الرومانسية والحب, وهذه كذبة. ومن حيث معاشرتي معهم انهم لا يهتمون في النساء كثيراً, ونستطيع ان نقول النساء عدهم كالعرب, يعني فيهم الزين وفيهم الشين. ولكن المسلسل التركي جعلت من الاتراك ملائكة الحب, حتى الذي يعيش في “الضيعة” كما يقولون يتكلم بالحب والرومانسية ولا يهمه العادات ولا التقاليد. اما المسلسلات العربية فأنهم اقرب إلى الواقع, وبل يقدمون الواقع بعينه. لذلك أعتدنا على ان نرى الواقع العربي من المسلسلات العربية, وهو الصراخ والضرب والارومانسية, والعبارت الوحشية المترددة كالعبارة التي تقول:”النسوان ما ينفعش معاهن غير العين الحمرة.” اما في المسلسلات التركية فالعبارة التي تردد دوماً هي:”يلا حبيبي, يلا حياتي, يلا عمري, يلا روحي, انت كل شيئ بحياتي.” والمرأة بالتأكيد تحب العبارة الاخيرة, لأنها من الجنس الناعم تحب الكلمات الناعمة, ولا تحب اصحاب العيون الحمراء لأنها سوف تشعر انها تعيش بين وحوش متمردة.
إذن بعض الأحيان الانسان يحب الكذب اكثر من الصدق, وكذب تصدق. أذن ليس بالضرورة ان نخرج الواقع واقع, بل نخرج الواقع كذبة. فأذا شاهدنا واقع يقول رجل عذب امرأة, نحوله إلى رجل أحب امرأة, حتى يكون نصائح للأخرين. وهذا ما قاله لي الكثيرين حول انهم استفادوا كثيراً من مسلسل سنوات الضياع ونور, من حيث انهم اصبحوا يتعاملون بشفافية ورقة مع زوجاتهم كمثل معاملة مهند مع نور, وكيف اصبح رد زوجاتهم مختلف عن الأول.
مع هذا يبقى هناك خلل واحد عند المسلسلات التركية, إلا وهو المستشفى تجمع العاشق والمعشوق, فأذا كانت هناك مشكلة كبيرة بين الحبيب والمحبوب في المسلسل, وبقت هذه المشكلة سنوات عدة, فـأن مخرج المسلسل لا يستطيع ان يجمعهم من خلال ”العشرة” التي بينهم, او من خلال رمضان, او من خلال العيد. كلا, بل يجمعهم من خلال حادث سيارة, وهو ان تأتي سيارة وتدعس على العاشق , فتسمع بهذا الخبر حبيبة الحبيب, ويجن جنانها, وتذهب إلى المستشفى, وتقول لهُ:”حبيبي, سامحني حبيبي” والأخر يقول:”انت كمان سامحيني انا غلطت بحئك, انا بحبك” وترجع العلاقة الزوجية او الرومانسية. السؤال الذي يتردد الأن, هو أن الانسان لا يرجع إلى من يحبه إلا بعد فوات الأوان؟! لذلك اعتمدت المسلسلات التركية على هذه المستشفى لتجمع عشاقها, فكم وكم من حادث حدث في مسلسل سنوات الضياع, نور, أكليل الورد. لذلك اصبح كل عاشق ييأس من ان عشيقته سوف لن تعود اليه, يحلم بأن تأتي سيارة تدعسة, لأجل ان تزوره حبيبته بالمستشفى, وترجع العلاقة إلى حيث كانت.
بقلم: حسين الفحام
Filed under: مقالاتي الاجتماعية