سقوط صدام: إن في الأمر لعبرة

 

دليل الحاكم الحزين.. لمعرفة هل هو الحجاج أم صلاح الدين

معتز بالله عبد الفتاح *
سقط حجاج العراق، الذي صور نفسه صلاح الدين. وان في الأمر لعبرة. لقد اوهم صدام حسين العراقيين انه «مبعوث العناية الالهية» لانقاذهم من محنهم، فحارب بهم ايران، وغزا لهم الكويت وأقض مضاجع اليهود وأنهك الصليبيين و«انتصر» لكرامتهم في «أم المعارك»، فكان حقا عليهم تأييده بنسبة مائة بالمائة! ذلك هو الوهم، اما الواقع فيقول ان الشعب العراقي، كما معظم الشعوب العربية، ظل موقعه من الاعراب السياسي يتراوح بين المجرور والمفعول المطلق والمفعول به ولأجله، وفي افضل تقدير نائبا عن الفاعل الحقيقي.. الا وهو الحاكم المستبد. انها القصة القديمة نفسها، قصة «الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا».وان في الأمر لعبرة، فالمعضلة ليست في شخص صدام، لكنها في نمطه. نمط الحاكم الذي لا يسمع الا صوته، ويخشى مخالفوه ان يجهروا له بما يخالفه. انها اشبه بمعادلة رياضية: حاكم مستبد يسيطر على شعب مستسلم بما يؤدي الى الفساد والهلكة. ولقد جسدها الخالق في معادلة قرآنية حللت العلاقة العضوية بين الطغيان والفساد: «ما أريكم الا ما ارى وما اهديكم إلا سبيل الرشاد»، اي: (الاستبداد)، ثم: «فاستخف قومه فأطاعوه»، اي: (الاستسلام للاستبداد)، والنتيجة: «الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد». ان في الأمر لعبرة، وفيه تفصيل. أولا، الاستبداد: ان اهم مؤشر للاستبداد هو «اعجاب المرء برأيه»، كما جاء في الحديث الشريف. وآية اعجاب الحاكم برأيه اعتقاده بأن معارضيه يريدون به شرا وبالبلاد فتنة وان رأيه صواب لا يحتمل الخطأ.

ولقد كان في هذه الأمة من وعى الدرس، فقال: «قوموني».. و: «اطيعوني ما اطعت الله فيكم».. و: «رحم الله رجلا أهدى اليَّ عيوب نفسي».. و: «من رأى فيَّ اعوجاجا فليقومه». ولقد غفلنا نحن المسلمين عن نور هذه المبادئ، واستيقظ الغربيون في ظلام غيابها فذاقوا من الاستبداد والفساد ما جعلهم يجتهدون في محاربتهما، فأعطوا لكل ذي صوت معارض حقه في أن يعبر عن رأيه، بل أنشأوا المؤسسات التي تحول الصراعات الآيديولوجية الى منافسات سياسية تحسم وفق الدستور والقانون وليس بالبطش والعدوان.

ولقد قدم الاسلام لمشكلة الحاكم الذي يرى انه «صاحب الرأي» وليس «صاحب رأي» ـ كما قال الدكتور زكي نجيب محمود ـ علاجا كان ناجعا في صدر الاسلام، وتمثل في الشورى التي يستعين بها المرء على ضعف ذاته وقصور رأيه. بيد ان انهيار الصرح الاسلامي الشامخ بدأ مع من نال من الزامية الشورى، فجعل منها معلمه (بضم الميم) اقرب الى تسجيل الموقف ورفع العتب. فتحول الحاكم من «أول بين متساوين» في ادراك الحقيقة ونيل الحكمة، الى فرعون يحكم ويبطش. وفطن الغربيون لهذه المعضلة فابتكروا آليات تعدد مراكز صنع القرار والفصل بين السلطات وتوازنها، على اساس ان «السلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة».

ومرة اخرى، ان في الامر لعبرة: فالحاكم الذي يأمر فيطاع بلا رأي معارض فاعل ومؤثر، يصبح «صاحب الرأي» المطلق ولا يعود «صاحب رأي» فقط.

ثانيا، القابلية للاستبداد: نسب الى أحد الخلفاء قوله: «لا نحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا». وان هذه لقسمة ضيزى، انها لا تنتج شعبا حرا ولا مجتمعا حيا. ان الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، بين لنا ان واحدا من الثلاثة الذين لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا «رجل يؤم الناس في الصلاة وهم له كارهون». ان رضا الناس عمن يؤمهم ويحكمهم فريضة. وهو رضا لا يستدل عليه بالصمت، ولا بمئات الصور والتماثيل في الطرقات، وانما بحرية الرأي والتعبير. ان الشعوب العربية في مجملها تهاب ان تقول للظالم: «يا ظالم»، لأن له سيوفا يخشى الناس بأسها. ومن هنا ادى الاستسلام للاستبداد لمزيد من الاستبداد، كما جاء في الحديث الشريف: «اذا رأيت امتي تهاب ان تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم»، وكأن جان جاك روسو يكرر الحديث الشريف بقوله: «اذا كف الناس عن الاهتمام بشؤون الدولة، فإن الدولة قد انتهت». ان حاكما لا يسمح لشعبه ان يرفع صوتا أو يحرك ساكنا، هو شعب لا يستجيب لنداء ولا ينهض بتبعة (كما حصل مع جنود صدام) فقد بلغ الاستسلام للاستبداد محله.

ثالثا، الفساد: لا يوجد استبداد الا وجدنا الفساد بجواره، يفيد منه ويعضده. ولقد صور القرآن لنا عددا من آيات الفساد، ومنها انه جعل الذين طغوا في البلاد هم الذين اكثروا فيها الفساد، كما دلل على الفساد بقوله: «وبئر معطلة وقصر مشيد» (الحج 45). فالبئر التي يعيش عليها العامة، تنفعهم وتكفيهم ذل السؤال، عطلت لضيق ذات اليد وسياسات التقشف المعهودة، اما القصور التي يقطنها من استبد في الحكم وأفسد في الأرض فتفتح لها الخزائن! ان في الامر لعبرة، فحين يتعايش ولي الأمر مع جهل الأميين ويتجاهل معاناة المحتاجين، كما رأينا في نهج صدام حسين، فقد سار على نهج الحجاج حتى ولو اوهمنا انه صلاح الدين.

بقلم: معتز بالله عبد الفتاح

ليس بالظرورة ان تعبر هذه المقالة عن رأيي الشخصي

اترك رد