الرئيس الأضحوكة والقوى الخفية!

بالرغم من أنني لا أصدق الكثير من الأفكار التي وردت في الكتب التي تتحدث عن قوى وحكومات خفية تحكم العالم، وخاصة أمريكا، إلا أنني أجد نفسي مضطراً أحياناً لإمعان النظر في بعضها، خاصة عندما أراها تنطبق على الواقع الحالي بطريقة مدهشة. وبغض النظر عن مصداقية تلك الأفكار من عدمها، فإن الذي يهمنا في هذا المقام أن أحد تلك الكتب، وهو بعنوان “حكومة العالم الخفية” يقول ما معناه إن تلك القوى غير المرئية قادرة على إيصال “أي شخص بسيط أو ربما متخلف إلى الزعامة وقمة المسؤولية”، على اعتبار أن الحاكم الفعلي في هذه الحالة لن يكون الشخص الذي في الواجهة، بل تلك الأيادي الخفية التي تديره من وراء الستار. ولو نظرنا إلى الرؤساء الأمريكيين، وخاصة جورج بوش الصغير، ومن قبله رونالد ريغان ومن بعده المرشح الجمهوري جون ماكين لوجدنا أن الذين تحدثوا عن دفع أشخاص لا يستحقون منصب الرئاسة إلى سدة الحكم، ومن ثم توجيههم عن بعد، لربما وجدناهم أصابوا كبد الحقيقة..

أليس في أمريكا أفضل من جورج بوش ألف مرة ليرأس تلك الدولة العظمى؟ هل يعقل أن يقبل الشعب الأمريكي برئيس يثير في الناس السخرية والضحك أكثر مما يثير فيهم الإعجاب أو الاحترام؟ ألم يبد الرئيس على مدى فترة حكمه أقرب إلى المهرّج منه إلى الرئيس؟ من ينسى ذلك اللقاء السريع الذي أجراه أحد الصحفيين الأمريكيين مع جورج بوش في اليوم الذي فاز فيه بالانتخابات، إذ سأله الصحفي وقتها قائلاً: “سيادة الرئيس: ما رأيكم فيما حصل في باكستان؟” فأجابه الرئيس: “ماذا تقصد”، فرد الصحفي: “ألم تسمع ما حدث هناك اليوم؟” فأجابه بوش بطريقة كوميدية تنم عن جهل واضح: “وهل تعرف أنت ما حدث في باكستان؟” هل يعقل أن الرئيس الجديد لم يسمع يومها بأن الجنرال برفيز مشرف كان قد جاء لتوه إلى الحكم بعد انقلاب على الحكومة المنتخبة؟ كيف لو لم تكن باكستان تحتل مكانة كبرى في الاستراتيجية الأمريكية؟لا أدري كيف يمكن أن نصنف رئيساً يدّعي أنه يتحدث مع الله، ويأخذ منه الأوامر والتعليمات مباشرة! فقد اتصل جورج بوش ذات ليلة بالرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، وأخبره بأن الله اتصل به، وأمره بغزو العراق، حسب مجلة “أوبزرافاتور” الفرنسية.وعندما زار الرئيس الأمريكي استراليا، وألقى خطاباً أمام مستقبليه، وجه الشكر الجزيل للنمسا بدلاً من أن يوجهه لاستراليا، فهو قد فشل في التمييز بين Australiaاستراليا، وAustria النمسا، مما جعله وقتها محط سخرية وازدراء الكثيرين. ولا داعي لسرد المواقف المحرجة الكثيرة التي وجد الرئيس فيها نفسه والتي فضحت سذاجته وجهله، إن لم نقل تخلفه.طبعاً ليس غريباً على رئيس كان يعاني قبل وصوله إلى سدة الحكم من إدمان الكحول أن يهذي بهذه الطريقة المضحكة؟ ألم يجد حزبه شخصاً أفضل من مدمن سابق على المشروبات الروحية ليقود أمريكا؟ وما ينطبق على الرئيس بوش ينطبق بدرجة أو بأخرى على المرشح الجمهوري لمنصب الرئاسة جون ماكين الذي سأله أحد الصحفيين أثناء حملته الانتخابية عن إحدى القضايا السياسية، فتبين أنه يفهم في السياسة كما أفهم أنا في الانشطار النووي. ولولا تدخل أحد مساعديه والإجابة عن سؤال الصحفي لمنع الإحراج لظهر المرشح مثل الأطرش بالزفة، إن لم نقل كأضحوكة. ولعل الصورة التي التقطتها عدسات المصورين فور انتهاء المناظرة بين ماكين ومنافسه الديموقراطي أوباما والتي وُصفت بالصورة “الكارثة” تظهر مدى سخافة المرشح. فقد ظهر وهو يمد لسانه بطريقة حيوانية محاولاً أن يمسك بمؤخرة أوباما. ناهيك عن أنه يبدو في حملاته الانتخابية مهزوزاً، ويقوم بحركات جسدية غريبة. أضف إلى ذلك أنه بلغ من العمر عتياً، مما يجعله غير قادر على إدارة بلدية قريته، ناهيك عن دولة عظمى كأمريكا. أنه لأمر غريب فعلاً، ألم يجد الحزب غير ذلك العجوز المتداعي ليخوض انتخابات الرئاسة؟ ألا يوجد في أمريكا شخص أكثر جاذبية وفهماً وشباباً ودراية سياسية؟وحتى الرئيس رونالد ريغان فقد ظل يتصرف طوال فترته الرئاسية كممثل خفيف أكثر منه كرئيس، بدليل أن رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر التي عرفت الرئيس عن قرب قالت ذات مرة:” إنه لا يوجد شيء بين أذنيه”. ناهيك عن أن رئيس موظفي البيت الأبيض السابق كشف أن “هذا الممثل السابق كان يغفو أثناء اجتماعات البيت الأبيض، وأن زوجته نانسي كانت تستشير منجّمة قبل السماح له بالسفر داخل البلاد أو خارجها.”وحدث ولا حرج عن نائبة المرشح الجمهوري ساره بيلين، فهي، كما بدا من أسلوب حديثها وتفكيرها أنها تتمتع بعقلية قد تكون أقل من عقلية جورج بوش الابن نفسه، وهو أمر مرعب حقاً.لو تم اختيار زعيم معتوه أو جاهل أو أمي أو طرطور ليحكم بلداً عربياً لبلعنا الأمر، على اعتبار أن الذي يوصل الزعيم في بلداننا إلى سدة الحكم ليس أصوات الشعوب والمؤسسات الديموقراطية، بل اعتبارات اعتباطية معروفة للجميع، لكن أن يحدث ذلك في بلد يدّعي قيادة العالم الديموقراطي، فإنها المهزلة بعينها.قد يجادل البعض أن الرئيس في أمريكا ليس كل شيء، بل هو مجرد عزقة في آلة كبيرة اسمها الدولة، وبالتالي ليس مطلوباً منه أن يكون أفلاطون زمانه، وهذا صحيح، لكن الرئيس هو قمة السلطة في بلاد العم سام، وبالتالي لا بد أن يكون أهلاً لها شكلاً ومضموناً. ناهيك عن أن الكفاءة هي أبسط العناصر المكونة للشرعية الضرورية للزعامة. ألم يكن نائب الرئيس بوش ديك تشيني أكثر قوة ونفوذاً من الرئيس ذاته؟ لا عجب أن الأمريكيين يتداولون نكتة تقول:”ماذا يحدث فيما لو مات تشيني؟ الجواب: يصبح بوش رئيساً”.أليس من العيب أن تؤول زعامة دول عظمى إلي شخصيات محدودة القيمة ضيقة الأفق، بل دون متوسط المواطن العادي في بلادها، أي إلي شخصيات تفتقر أصلا إلي خصال الزعامة، يتساءل أحد الكتاب؟”كيف أفرزت العملية الانتخابية هذه الشخصيات متواضعة الخبرة أو الذكاء لتكون هي الوحيدة التي على الناخبين أن يختاروا من بينها رئيساً ونائب رئيس أقوى دولة على الأرض؟ ألا تستحق أمريكا أفضل بكثير من هذا ولديها بلا شك شخصيات عظيمة القيمة والذكاء والخبرة والقيادة كان المفروض أن تكون هي التي يتم الاختيار بينها؟ فما الذي أوصلنا إلى هذا المأزق الرديء الذي يضطر فيه الناخب” إلى الاختيار بين الهابط والأهبط؟”

ألا يطرح وصول مثل هؤلاء إلي زعامة أكبر قوة في التاريخ البشري إشكالية من يحكم تلك البلاد العظيمة، أهو الرئيس، أم قوى خفية فعلاً؟

بقلم: د. فيصل القاسم

ليس بالظرورة ان تعبر هذه المقالة عن رأيي الشخصي

رد واحد

  1. الأخ الفاضل:حسين الفحام
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هذا الكتاب عندى وقرأته منذ فترة وقد ذكرنى مقالك هذا به حتى أعود إليه من جديد لأن فى قراءتى الأولى لم أقتنع بالكثير مما جاء به ولكن بالفعل مايحدث على الواقع يقول أن هناك الكثير قد يرفضه العقل والمنطق ولكن يصدقه الواقع الذى نعيش فيه بما تدور فيه من أحداث .

    تقبل تقديرى واحترامى
    أخوك
    محمد

اترك رد